|
مازال
الشعرُ هو الكائنُ الأقدر على التحول، لهذا قال حسين البرغوثي " الشاعرُ هو
القادرُ على الإنمساخ" كما أخبرني صديق. وبغض النظر إن كان حسين قال ذلك أم
لا، فإنني أعتقد أن هذه الجملة يجانبها الصواب، فكتاب التحولات للشاعر
الروماني أوفيد هو من أهم الكتب التي أثرت في فنون أوروبا منذ القرن الرابع
عشر وحتى أيامنا هذه.
لذلكَ
عندما أمسكُ نصاً شعرياً للقراءة أهيء نفسي إلى شيء مختلف، او لغة مختلفة
وأعني هنا ما أقول. إن انزياح الفواصل ما بين الأجناس الأدبية اليوم تركَ
القارئ في حالة دوار دائم، كما هو متروك على مستوى الأحداث اليومية في
العالم أيضاً على دوارٍ دائم. جاء النص الشعري اليوم بدوارٍ يحاكي دوار
العالم.
وأنا
أقرأ القصائد القصيرة التي تتضمنها مجموعة "هذيان الرصيف" التي تشكل جزء من
المجموعة الشعرية "كي" للشاعر محمود ماضي، يطالعني سؤالٌ لين أو سائل ربما
" لماذا نخنق أنفسنا في منجزٍ شعري لنقدم فيه أكثر مما قدمه السلف؟" يبدو
هذا السؤال وكأنه ينطلق من مسلمة مفادها أنني أنظر إلى ما قدمه شعر
التفعيلة قد بلغ أقصاه. نعم هو كذلك تماماً.
لا
أذكر بالتحديد من هو الأديب الذي قال "كل الناس قبل الخامسة والعشرين
شعراء"وهذا صحيح من وجهة نظري أيضاً ولكن لا أتهكم على هذه الظاهرة، في
الشعر العالمي، فالشاعر الفرنسي العالمي رامبو خرج إلينا بشعر مختلف وهو في
عقده الثاني فقط.
ما
أريدُ قوله هنا بالتحديد هو أن كيمياء الشعر، تتوهجُ ببراءة السنين الأولى
للشاعر، فذلك العمر الممتد ما بين العقد الثاني والثالث في حياة الشاعر
يمتاز ببراءة النص، وتخدشهُ بكورة التجربة. والإنطلاق قصراً على النفس من
منجز شعري وأضع هنا أي بعد كلمة شعري "أصبح ثانوي" لأن العالم خرج من منطقة
الغنائية الشعرية إلى مناطق مختلفة في الشعر.
وبالتأكيد أنا هنا لا أتحدث بشكل عام، فأنا أتناول تجربة الشاعر محمود ماضي
بالتحديد، وأقول أن أخانا مرغمٌ دخل هنا... مرغمٌ لا بطل!
فاختزال رؤيته على مستوى شكل النص نتيجة لمحاولته الواعية أو غير الواعية
–لا أعلم- يقتحم منطقة لن يعود لها. أليس كذلك يا عزيزي محمود؟
يسعدني
أن تقول لا؛ لكي نرى.
** شذرات من ضوء :
إنها
مجموعة نصوص وليس نصاً واحداً أو لأقل مجموعة قصائد قصيرة، لا علاقة بينها
إلا أن كاتبها واحد، وبالتالي هنَّ أخوات في التجربة.
تنحدر
القصائد من داخل الشاعر بعقل "شعري"، وقد هالها هلع بأنها يجب عليها
أحياناً أن تكون كذلك، بمعني مسوسة أو مشوهة الحرية في بعض من الأحيان
ولذلكَ نجده تماماً في مقطع كهذا: "المقط رقم 4"
" تهبط
السماء على جناحيّ
تنبت
من الريح أرض خراب
يغني
رجلٌ عن وطنٍ زجاجي
...
الخ"
تعكس
القصائد الحالة اليومية الواضحة في حياة الإنسان الكوني أو اللامنتمي ليس
بمفهوم كولن ولسن بالضرورة، ولكن بمعنى أنه الإنسان الذي يسعى إلى الإيمان
بالعالم. ومتعته، وسلام العالم، وغربة الذات، وضحالة الحياة... وأشياء
أخرى.
القصائد في معظمها تشكل مجموعة قصائد عنقودية، وهي تلك القصائد التي تتناول
نفس الحالة رغم انفصالها، ضمن المجموعة.
**
سأكتب الآن ما يدلل على الثلاث نقاط السابقة من المجموعة "هذيان الرصيف"
كل مقطع يحدد من رقم الشذرة أو الفقرة المكتوبة.
** تأويلات:
الخيل
تهذي \ الناس تهذي.. عن غزالٍ مختلف يسكنُ الضوء \ يسكن المعرفة بمعناها
القديم الذي يشمل خيالاً واسعاً.
يتحدث
الشاعر عن غربةٍ تسكنهُ موزعةٌ ما بين السيف الذي يحمله القراصنة لمواجهة
السفن وبين غياب الأخرين، الذي لا يدركه سواه.
6-
محاولة لملئ الفراغ، بعملٍ ما، لا يهم ما هو المهم أن تملأ الفراغ ولكن من
المهم أيضاً أن يكون ذلك الحشو يشكل صرخة \ صمت \ باختصار، فعل يحركُ
السواكن والأداة هي الفأس.
7- سرٌ
ما للحياة، قصة قصيرة جداً أبطالها فتى أعمى. جنية، الذي خلق الجنية خيال
الطفل الأعمى، خلقها لتخرج وتواسيه أو تخدمه، خلقها عن حاجة لتقول له "لا
شيء يطفو" حتى صورته هو ربما لا تنعكسُ في الماء، وذلك يكونُ عماه أكسبه
عتمةً ولم يسلب منه لوحةً ما لما حوله.
إنه
احتفاءٌ جميل بعدم المعرفة.
10-
يطلب الشاعرُ من نفسِه أنْ يضعَ ملحاً في الثقوب \ أن يضع ملحاً في الجروح،
أو أخطائنا اليومية لكي تتحركُ النجوم إلى مواضعها \ لكي نتحرك إلى مواضعنا
أيضاً كبشرٍ يتمتعون بحياةٍ أجمل.
19-
يعتبرُ الشاعرُ أنه في لوحة، قد سقط الكثير من شخوصها ويسأل عن عتمة العالم
السفلي، فيجابُ عليه، بكلامٍ مبهم تماماً.. آخره "...كن واثقاً"
26-
يتساءل الشاعر، بعدما يخنقنا الحزن كيف سننتمي إلى أكثر الأشياء جمالاً.
** إيروتيكياك:
في
المقاطع التالية: 30، 33، 34، 38
يودع
الشاعر الشعر، أو يشكوه ويجافيه.
54-
يبدو الشاعر هنا طاوياً، ويلعن الاسمت. أكيد سيبتسم الآن روسو
66-
الكونُ أنثى.
71-
يتحدث عن ولعهِ.
72-
يعرف الشاعر طريقاً جيداً يوصل إلى السر، وهو الصمتْ، فيسكتُ عن الأسئلة
الكبيرة، لأنه يريدُ وقتاً أكثر للتأمل.
هذه
قراءات نقدية اعدت من المشاركين في المتلقى الابداع الادبي لديوان شعر ( كي
) للشاعر محمود ماضي
::
<<< السابق :: |