|
تبتنى النصوص في شكلها السردي الحاضر استجابةً لمحتوياتِ الذاكرة المليئة
بتفاصيل الوطن والخسارة، وتتوفر في النصوص طاقة حنينٍ كثيفة، تحضر بلغةٍ
فضفاضة، إذ لا محلّ للاختزال والإيجاز في منطقة الذاكرة التي تستطرد فيها
الذات الشاعرة. وحيث أنّ الذات الشاعرة تعمل في منطقة الذاكرة تنبني
النصوصُ بتفاصيل مُغنّاةٍ؛ هذه الغنائية لا تثير في المتلقي غواياتِ الطرب؛
إنما هي غنائيةٌ تُشجِي فيما هي تسافرُ في جهات الذاكرة، وتردّدُ تفاصيلها
ترداداً آسراً موجعاً.
لك الأحزان مراعٍ والخطرات نبيذ
لك التذكار المر حليبا من حدقات غروبي(ص25)
الليلة فوق صليب لا مرئي
أبطا من سكير أرقصُ،
مثل النهر على خارطة الفصل
مهزوما كمعلمنا.(ص37)
ويأتي استخدام "صليب لا مرئي" في المقطع السابق كمرديف معنوي ،في قصيدتي
"نخيل" و" نزف" على التوالي، لـ" محور الغربة"، ولتجربةِ الحياةِ التي ألحّ
فيها شقاء العيش، فضلاً عن إلحاحات الحنين الشائك الذي كان يحاصره: " كيف
لي، وجيش يحاصرني بحنين شائك"(ص27)
كنت أسرّ:
وما أصعبَ يومَ تَجُوعُ الروحُ
فتأكل نفسكَ
ويقولون: تحمّل!!(نخيل، ص22)
خذ ما شئت إليك ..إليك
ولكن أنزلني من فوق صليبي
حبك مصلوبٌ
والغربة صلبٌ
والفقر هو الآخر..؟
أوجعني أن هزئتْ بالنخلِ
وبالأكتاف ذنوبي.(نزف،ص25)
في قصيدة " الركض خلف غزال ميت" يقوم الشاعر بالنبش في ذاكرة الهزيمة، التي
آلت به إلى هذا المآل، سارداً غصّة أستاذ التاريخ التي لقنها، الأخيرُ،
للأطفال جيلاً بعد جيلٍ، أو بمعنى أدقّ التي ورثها للأطفال. والنتيجة كما
يُوردها الشاعر أن أمسى "فوق صليب لا مرئيٌّ، يرقصُ أبطا من سكّيرِ، مثل
النهر على خارطة الفصل، مهزوما كمعلمه".
الليلة، فوق صليب لا مرئي
أبطأ من سكير أرقص،
مثل النهر على خارطة الفصل
مهزوما كمعلمنا
أرقص مغتربا مثل البعض،
غريبا كبقيتنا
الليلة،
عاد الشحاذون إليّ
وعدت إليك
الليلةلا يكفيني .. حزني لك
كنت تمدّ يديكَ،
فينهض أستاذ التاريخ، ويشرح لك لوعتهُ:
يسأل عن ساحتك الأولى،
كيف أتاها المدّ، وخاصمت الشطآن؟
كان الملح يسافر في أطراف البلدة
كان يسافر في جداران الوقت.
وعلى ما أذكر.. كانت عصراً،
جاءت سفن الصيد إلى شارعنا،
فاندهش الجيرانُ
وقالوا: ما اجملها/ ما أتعسنا
ثم انشغلوا
رحنا نتلو أي الذكر على أرواح الاحياء
نتلوى في حلقات الذكر ومخطوطات الفقهاءِ،
وفي أحلام اليقظة.
الليلة، فوق صليب لا مرئي
أبطأ من سكير أرقص،
مثل النهر على خارطة الفصل
مهزوما كمعلمنا
أرقص مغتربا مثل البعض،
غريبا كبقيتنا
الليلة،
عاد الشحاذون إليّ
وعدت إليك
الليلةلا يكفيني .. حزني لك.(ص37-38)
وما يُضيءُ هويةَ المنطقة الشعرية التي يتحرّك فيها الشاعر أكثر هو وُرُودُ
اسم " ريتسوس " كعلامة مُحَدّدة ،أيضا، لمنطقة الشاعر، في قصيدة " أكاسيا
" يسردُ:
كيف صاروا قدامى
تمرّ على معرض الكتابِ
على الاتيلية، أشعار ريتسوس،
ميدان رمسيس، حكايات محفوظ، كوبري غمرة
شارع.. أنت تعشقه لظلال الاكاسيا(ص46)
ونتفاجأ ،أيضاً، في القصيدة التي تلي قصيدة " أكاسيا" مباشرةً؛ بقصيدة تحمل
عنوان " ارتباك " وهي مهداة "إلى سعدي يوسف "! ورود هذه الدوال الإسمية
تكشفُ عن..وتُوسّعُ من دائرة التعريف بهوية ومنطقة الشاعر.
سعدي.. أنت لا تمزح معي..!!
ألست الذي قلت لي: احترس..
كل ياسمينة امرة ،ترتدي شوقها كل صبح،
كشرفة آسرة
قلت لي:
والذي انبتته البراري ،لا تأتمنه لسور الحديقة
والذي البحر يلقيه ، لا تصطفيه لصحن العشاء
قلت لي ، قلت لي،
وها كنت بايعت كفيك مخشوشنات عصية
لماذا إذن،
- أرى غرفتي بعثرتها رياح ارتباكي-
حين تحل قميصك،
تبكي ..لامرأة.. لا تراك.(ص49)
..ما يثيرُ الاهتمام في هذه التجربة؛ أنها حَرِصَت على الحضور من مسار
يختلف عن مسارات الكتابة الشعرية التي نراقب ونتتبع تحرّكها في مصر، إذ ثمة
خصوصية تنفرد بها هذه الشعرية. وهذا ما يقود إلى طرح تساؤل ضروري، لماذا
جاءت التجربة متمسكة بهويةٍ تُمَيّزُ صاحبها عن هويات شعرية هي بنت بيئتها
بالأصالة؟ ولكي لا يُفسّر كلامُنا هذا على أنه تصويرٌ لحياة شاعر عاش قطيعة
من التجارب الشعرية بنت بيئتها، نقولُ: إنه ليسَ من وجود حقيقيٍّ لأية
دلالة تشير إلى وجود قطيعة؛ والدليلُ يتجلّى في انعكاس روح البيئة المصرية
على نصوص الشاعر بشكل غزير من جهة، ومن جهة أخرى، توقيعُ إهداءات بعض
القصائد لاصدقاء له؛ أبناء المكان. غير أنّ الحالة النستولوجية التي تخيّم
على شاعر مغتربٍ عن وطنه تمنح له فرادةً على مستوى الموضوع والشعرية معاً.
وشاهد على ذلك نجده في قصيدة "اعتذار":
أكتب يا أحمد زرزور
اكتب يا سيد عبد الخالق
فابن رباح الليلة لن يكتب حرفا
ابن رباح الليلة.. مشغول جدا جدا
بمهادنة المنفى.(ص76)
|