|
استدار قرص الشمس في الأفق معلناً ولادة فجر جديد ،وأطول ليلة من ليالي
الصيف اللاهبة في صحراء مترامية الأطراف.
كان لا يزال نائماً عندما فتح عينيه فجأة على لسعة خفيفة من خيوط الشمس
التي دلفت إليه من خلال ثقوب عديدة من بيت الشعر الذي يضمه مع زوجته
(ماوية) وأولاده الثلاثة : (ربيعه) وهو الابن الأكبر،و(جابر) وهو
الابن الأوسط ،و(عتبة) وهو الابن الأصغر.
راح (حنظلة) الأب يتمطى ،يتثاءب بصوت مرتفع، لم يأخذ قسطاً كافياً من النوم
بعد صلاة الفجر مع أسرته .جلس في فراشه مستنداً براحتيه على ساقيه
الممدودتين ،فبدا ظهره مقسوماً، وقد وخط الشيب عارضيه، ينتعل جسماً
نحيلاً ،قد جاوز الستين من عمره، تبدو حواجبه الثقيلة وهي تحتضن
عينين غائرتين في صحن وجهه النحيف المستطيل ، ذي الأنف الطويل .سرعان
ما احتبى بحزامه المصنوع من الكتان .
فجأة انتفض الأب(حنظلة) واقفاً من فراشه ، أخذ يزرع أرضية المحرم ذهاباً
واياباً ،كان أمراً ما قفز إلى ذهنه فأقلق حياته ! كان الوقت يمر
بطيئاً جداً ،وحرارة الشمس تزداد لحظه بعد لحظة ، فتلفح الوجوه،وسط
صحراء مترامية الأطراف ، كأنه سياط غضب سلطها الرَّب على عباده
ليعودوا إلى جادة صوابهم .
-قالت (ماوية) زوجة (حنظلة) :صباح الخير يا(ربيعه) . ردَّ عليها(حنظلة)
زوجها: أسعد الله صباحك بكل خير يا أم ربيعه .
قالت مخاطبة له : ترى ما الذي جعلك تنهض من فراشك في هذه الساعة ؟
-رَدَّ وهو يتثاءب ،ويخلل بأطراف أنامله الدقيقة شعر رأسه ولحيته . بعد
صلات الفجر ،انتابتني تعسيلة ، شدتني إلى عالم آخر ،فرأيت حلماً
مزعجاً ، سحبني منه لسعة الشمس الحارقة التي سقطت على صحن وجهي
فأيقظتني من نومي.
-رسمت (ماوية) ابتسامة عريضة على محياها وسط عينين ذابلتين، انطفأ بريقهما
، رغم أنها لم تتجاوز الأربعين من عمرها.قالت له: اللهم اجعله خيراً،
-سرد عليها رؤيته …توالت دقائق عديدة قبل أن يصحو بقية أفراد الأسرة. سرعان
ما دَبَّت الحياة في مفاصل بيت الشعر المصنوع من وبر الجمال وشعر
الأغنام ،تبادل الجميع التحايا.
-توجه الأب إلى قربة الماء المعلقة على حبال البيت المشدود ة بقوةٍ بحبال
واهية إلى الأرض المكشوفة ،حيث تتعرض للهواء فيجعل الماء فيها باردً
! إلى حدما…تناول القربة، ارتشف جرعات في حركة تظهر أن الماء فيها
على وشك النفاذ . كانت أصوات رشفه للماء تحدث صوتاً مسموعاً يضفي
الحياة على البيت ، ويطرد وخم الوحدة القاسي، مسح فمه بثنايا ثوبه
القديم ثم قال : الحمد لله رب العالمين على هذه النعمة .أجابته زوجته
(ماوية) :هنيئاً لك يا أبا ربيعه . َرَّد هَنَّأَكَ الله يا أم ربيعه
.
-واصلت زوجته (ماوية)حديثها وكأنها تبرر قلة الماء في القربة ..ما أسرع أن
ينفذ الماء ،فقد ملأتها مع هدأة الشمس يوم أمس !
-قاطعها زوجها قائلاً: إن الفم السقيم لا يستسيغ الماء الزلال .
تبادل الجميع نظرة صامتة دون أن يعلق أحد على ما دار من حديث ،بينما بدا
(جابر)الابن الأوسط يحرك رأسه يمنة ويسرى كأنما يريد أن يَطْرِدَ عن
نفسه وطأة الوخم. كان (عتبه) الابن الأصغر عائداً من الغائط ،تنغرز
قدماه في تراب الصحراء الرخو الذي بدا يسخن شيئاً فشيئاً.
-التفَّ الجميع حول طعام الإفطار البسيط ،الذي لم يزد في أحسن الأحوال عن
قرص الملبل ، أو كسرة من خبز شعير ، وربما حبات تمر وشربة ماء .
-قالت الأم في حسرةٍ وألم وهي تحاول أن تخفي ذلك بلهجة حديثها العذب ،بقليل
من الكلمات:لقد نفذ كل ما لدينا من طعام!!
-وقع كلامها عليهم كالصاعقة ، خيم صمت رهيب على الجلسة ريثما الأثر الذي
تركه وقع حديثها !
-توالت دقائق عديدة قبل أن يتفوه أحد بكلمة .لَجَّتْ الحيرة لسان (ربيعه) ،
ازدرد ريقه ،قال : نحن نقيم في هذا الشعب المنعزل ، وسط هذه الصحراء
الجرداء ، التي تحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم كرعشة أبدية،تصرخ في
هذا الصمت اللانهائي المطبق حولنا ،فيرتد الصوت من بعيد كشبح يعصر
القلوب خوفاً من الخوف ،وارتعاشاً يزيد الجوع جوعاً ،والعطش عطشاً!!
قاطعه والده قائلاً :لابد مما ليس منه بد ، وكل شيء مرهون بوقته يا
ولدي .
-استكنت كلمات (ربيعه) (جابر) الأخ الأوسط فقال:منذ ثلاثة أيام خلت لم نذق
طعاماً إلا الماء فقط، وهذه الأحزمة التي نشدها على بطوننا لم تغن
عنا شيئاً.فما العمل ؟ أردف قائلاً:وكثيراً ما حدثنا أبي عن البُر
الذي لا نعرف له طعماً ،أو لوناً، بل نتذوقه في أحلامنا الصغيرة فقط
،سكت لحظة ثم انطلق قائلاً:أطول من هذا المد الممتد في أعماقنا خسرنا
حلماً جميلاً .كان ليلنا طويلاً على سياج حدائق البر التي يبدو أننا
لن نراها ابداً هنا .
-(ربيع)هل يعقل أن نجوع نحن هنا ، وتصنع الوحوش من عظامنا موائداً لها؟!
-غمغمت الأم بكلمات غير مفهومة ،دون أن ترفع رأسها من الأرض ،انصرفت وهي
تومي برأسها لتقوم بعملها لإعداد القهوة .
-خَيَّم الصمت بُرهة قبل أن ينطق (عتبه) مسترسلاً في حديثه فقال: لماذا نحن
هنا يا أبي وحدنا هنا دون البشر؟! لا أصحاب ، لا أقارب ، لاجيران!
لماذا لا نرحل من هذا المكان الموحش؟هل كتب علينا أن نمضي أعمارنا
هنا بين الوحوش ؟
-لم يجب أحد على أسئلته ،بدت كسياط لاهبة ،لم يكسر جمود الصمت سوى دقات
مهباج القهوة تتتابع في يد الأم وهي تسحق حبات البن ،كأنها في دقاتها
المتتالية تعزف لحناً جنائزياً ،بينما لهب النار يهبط، يرتفع كوجه
الأسئلة التي سمعتها فتشتعل في صدور الجميع شفقة على أبنائها ،زوجها
من هذا المصير المؤلم دون أن تشارك في النقاش. فلديها ما يكفي من
أعمال تلهي بها نفسها عن سخونة الحوار.
-استكنت عواطف الحيرة والخوف والتأنيب (حنظلة) ربُ الأسرة ، ارتد رأسها إلى
الوراء كأنما دفعته قبضته يد قوية إليه دون رحمة .
-رَفَعَتْ الأم يديها وهي تنظر إلى السماء قائلة :يارب رفقاً بهذه القلوب
الغضة ، الأحلام الصغيرة، يارب فرجك القريب .
-اعتدل الأب في جلسته ، رسم ابتسامة على شفتيه يداري بها قسوة الحياة ،
هروباً من مواجهة التساؤلات المشروعة من الأبناء التي كانت كالسوط
في حرارتها . فقال: يا أبنائي ..ما أحوجنا في ضعفنا وتعاستنا إلى
الرحمة والمحبة والتكاثف إلى أن يأتي الفرج من الله . فلقد وعدتكم
بالرحيل من هنا . ولكن هل تجدون وسيلة ما توصلنا إلى آمان ؟ أردف
قائلاً :نعم الصحراء موحشة ،تنضح بالكآبة ، ومع ذلك تبقى مليئة
بالمعاني العظيمة الجليلة ، التي قد لا نجدها في مكان آخر ،كالصبر ،
والتحمل ،و التعاون ، والقيم … ثمة مناظر ومعاني في الحاضرة يا
أبنائي لا تتحرك قلباً ، ولا تخاطب وجداناً!!
-قال (عتبه) :لكن الأدب لا يطعم البطون الجائعة .
-الأب : اعلموا يا أبنائي أن كل شيء إذا كثر رخص ، إلا الأدب إذا كثر غلا
.. فالحياة صفاء وكدر ، والصفاء الكامل يا أبنائي لا يوجد له في
الأرض مثيل .كثيرة هي الأشياء التي نفتقدها ،وكلما خلونا إلى أنفسنا
تلوح ذكراها لنا من وقت لآخر صحيح أننا نلتحف السماء، ونفترش الغبراء
، وليس لدينا ما نأكله بقيت يومنا هذا ، حتى لم توقد نار في بيتنا
منذ أيام . لكنها حياتنا اعتدنا عليها واعتادت علينا ، حتى إنني
أصبحت أجد ألفة في الوحدة بعيداً عن البشر !! ولو عشت بين البشر فقد
أشعر بالوحدة والوحشة الحقيقية !! فليس لنا يا أبنائي إلا الصبر .
-مطَّ (عتبه) شفتيه ، كأنه يعبر عن رفضه لما سمع وقال :لكن للصبر حدود يا
أبي ،وقد أشرفنا على الهلاك .
-(ربيعه) وماذا نفعل يا أبي لو جاءنا ضيف ونحن على هذا الحال ؟!
-قاطعه الأب بسرعة : لا تفتح ذهنك لهذه الأفكار الغير واقعية ،ثم صمت
قليلاً ،أخذ يفكر في كلام ولده ،بعد أن ساوره شك قارب اليقين ، خاصة
وأنه رأى ذلك في الحلم الذي أزعجه وحدَّث به زوجه (ماوية). أخذ يحملق
في
التالي >>> |